محمد متولي الشعراوي
1599
تفسير الشعراوى
هذا المثل للتقريب لا للتشبيه . إن الحق يدل أولا بهداية الدلالة ، وقد هدى اللّه الناس جميعا ، أي دلهم على المنهج ، فمن ذهب إلى رحابه وآمن به ، أعطاه اللّه هداية ثانية ، وهي هداية المعونة والتيسير . وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) ( سورة محمد ) إن الحق يعطيهم حلاوة الهداية وهي التقوى ، كأن الحق يقول للعبد المؤمن : ما دمت قد أقبلت علىّ بالإيمان فلك حلاوة الإيمان ، أما الذي يكفر ، والذي يظلم نفسه بالشرك ، فالحق يمنع عنه هداية المعونة ؛ لأنه قد رأى هداية الدلالة ولم يؤمن بها . إذن فالاستفهام في قوله تعالى : « كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ » هو تساؤل يراد به الإنكار والاستبعاد لا عن الهداية الأولى وهي هداية الدلالة ، ولكنه عن هداية المعونة ، أي : كيف أعين من كفر بي ؟ والمقصود بهذا القول هو بعض من أهل الكتاب الذين جاءهم نعت الرسول صلى اللّه عليه وسلم في كتبهم حتى إن عبد اللّه بن سلام وهو منهم ، يقول : لقد عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتى لابني ، ومعرفتي لمحمد أشد ، ومصداق ذلك ما يقوله الحق سبحانه وتعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 157 ) ( سورة الأعراف ) والتعبير القرآني الدقيق لم يقل : يجدون وصفه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل إنما يقول الحق :